الشيخ محمد الصادقي الطهراني
366
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
خير حتى إذا كان ممكنا وهو منه متمكن فضلا عن الدعاوي الشاردة المستحيلة غير الواردة في « آبائِنَا الْأَوَّلِينَ » . إذا فاتّباعه خروج عن العقلية الانسانية ، وسنة الآباء القدامى ! تحذير خطير يتحذر منه كل مسامح عن عقله ، متاجر بانسانيته الحرة البالغة . هنا - ولما لا يجد نوح منفذا إلى هذه القلوب المتحجرة - يستنصر ربّه لكي يهديه سواء السبيل : قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ 26 . وهذه آخر المطاف من تصبّره على أذاهم ، وتحمّله لظاهم طول الف سنة الا خمسين عاما ، وقد تكون اجمالا عن تفاصيل دعواته لربه طول هذه المدة كما في آيات عدة : « قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ، فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » ( 26 : 118 ) ( وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لاتَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً . إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلايَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً » ( 71 : 27 ) وذلك بعد ما أخبره ربه « أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ » ( 11 : 34 ) . فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاتُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ 27 . « اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا » : رقاباتنا ، كما تناسب صناعة فلك النجاة عن البحر اللجي « ووحينا » فقد كانت هندسة الفلك تماما وصناعته بوحي اللّه ، إذ لم يكن نوح صانع الفلك ، ولا ان مصنوع الإنسان دون وحي يتمكن من الإنجاء في هذه الهلكة الشاملة ، فليكن إذا صنع الفلك « بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا » « وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ » ( 11 : 42 ) ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ » ( 54 : 14 ) . أترى فلكا تصنع بأعين اللّه ووحيه ، وهي تجري بأعين اللّه ، أتراها تغرق أو تتكسر في